الشيخ عبد الغني النابلسي
458
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فانظر علوّ رتبة الصّلاة وإلى أين تنتهي بصاحبها . فمن لم يحصّل درجة الرّؤية في الصّلاة فما بلغ غايتها ولا كان له قرّة عين ، لأنّه لم ير من يناجيه . فإن لم يسمع ما يرد من الحقّ عليه فيها فما هو ممّن ألقى السّمع . ولا سمعه . ومن لم يحضر فيها مع ربّه مع كونه لم يسمع ولم ير ، فليس بمصلّ أصلا ، ولا هو ممّن ألقى السّمع وهو شهيد . وما ثمّة عبادة تمنع من التّصرّف في غيرها - ما دامت - سوى الصّلاة . وذكر اللّه فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال وأفعال . وقد ذكرنا صفة الرّجل الكامل في الصّلاة في الفتوحات المكيّة كيف تكون لأنّ اللّه تعالى يقول : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ، لأنّه شرع للمصلّي أن لا يتصرّف في غير هذه العبادة ما دام فيها ويقال له مصلّ . وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني فيها : أي الذّكر الّذي يكون من اللّه لعبده حين يجيبه في سؤاله . والثّناء عليه أكبر من ذكر العبد ربّه فيها ، لأنّ الكبرياء للّه تعالى . ولذلك قال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] . وقال : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] فإلقاؤه السّمع هو لما يكون من ذكر اللّه إيّاه فيها . فانظر يا أيها السالك علو رتبة الصلاة عند اللّه تعالى وإلى أين تنتهي ، أي تصل بصاحبها من مقامات القرب إلى اللّه تعالى . فمن لم يحصل بتوفيق اللّه تعالى له درجة الرؤية الإلهية في الصلاة فما بلغ غايتها ، أي الصلاة ولا كان له ، أي لذلك المصلي فيها ، أي في الصلاة قرة عين برؤية المحبوب الحق لأنه لم ير من يناجيه لما في قلبه من العمى عنه . قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . وهذه فروع الإيمان الأربعة لكل واحد منها رتبة خاصة إلهية ، فالصلاة الرؤية الإلهية بقوله عليه السلام : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » وللصوم لقاء اللّه تعالى لقوله عليه السلام : « للصائم فرحتان : فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه » « 2 » وللزكاة طيب النفس ، لقوله عليه السلام في حديث : « صلوا خمسكم » إلى أن قال : « وأدوا
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب فضل الصيام ، حديث رقم ( 1151 ) [ 2 / 807 ] ورواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء في فضل الصوم ، حديث رقم ( 766 ) [ 3 / 137 ] ورواه غيرهما .